أحمد بن محمد القسطلاني

309

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

السابق وإنما أفرد النبيذ لأنه محل الخلاف في التوضؤ ، والمراد بالنبيذ ما لم يبلغ إلى حدّ الإسكار ولابن عساكر وأبي الوقت ولا بالمسكر ( وكرهه ) أي التوضؤ بالنبيذ ( الحسن ) البصري فيما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريقين عنه قال : لا يتوضأ بنبيذ . وروى أبو عبيدة من طريق أخرى عنه أنه لا بأس به ، وحينئذ فكراهته عنده للتنزيه ( و ) كذا كرهه ( أبو العالية ) رفيع بن مهران الرياحي بكسر الراء ثم المثناة التحتية فيما رواه أبو داود في سننه بسند جيد عن أبي خلدة فقال : قلت لأبي العالية رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من الجنابة ، قال : لا وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ أنه كره أن يغتسل بالنبيذ . ( وقال عطاء ) أي ابن أبي رباح ( التيمم أحب إليّ من الوضوء بالنبيذ ) بالمعجمة ( واللبن ) روى أبو داود من طريق ابن جرير عن عطاء أنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن . وقال : إن التيمم أعجب إليّ منه ، وجوّز الأوزاعي الوضوء بسائر الأنبذة ، وأبو حنيفة بنبيذ التمر خاصة خارج المصر والقرية عند فقد الماء بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلاً على الأعضاء كالماء . وقال محمد : يجمع بينه وبين التيمم ، وقال أبو يوسف كالجمهور لا يتوضأ به بحال ، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإليه رجع أبو حنيفة كما قاله قاضي خان ، لكن في المفيد من كتبهم إذا ألقي في الماء تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم الماء جاز التوضؤ به بلا خلاف يعني عندهم ، واحتجوا بحديث ابن مسعود ليلة الجنّ إذ قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أمعك ماء " ؟ فقال : نبيذ . فقال : " أصبت شراب وطهور " أو قال : " ثمرة طيبة وماء طهور " ورواه أبو داود والترمذي فتوضأ به . وأجيب بأن علماء السلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث . ولئن سلمنا صحته فهو منسوخ لأن ذلك كان بمكة ونزول قوله تعالى : { فتيمموا } كان بالمدينة بلا خلاف عند فقد عائشة رضي الله تعالى عنها العقد . وأجيب : بأن الطبراني في الكبير والدارقطني رويا أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء . وقال السهيلي الوضوء مكي ولكنه مدني التلاوة ، وإنما قالت عائشة آية التيمم ولم تقل آية الوضوء لأن الوضوء كان مفروضًا قبل غير أنه لم يكن قرآنًا يُتلى حتى أنزلت آية التيمم ، وحكى عياض عن أبي الجهم أن الوضوء كان سُنّة حتى نزل القرآن بالمدينة انتهى . أو هو محمول على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير له وصفًا ، وأما اللبن الخالص فلا يجوز التوضؤ به إجماعًا فإن خال ماء فيجوز عند الحنفية . 242 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ » . [ الحديث 242 - طرفاه في : 5585 ، 5586 ] . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني بكسر الدال ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حدّثنا الزهري ) محمد بن مسلم وللأصيلي عن الزهري ( عن أبي سلمة ) بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ( عن عائشة ) رضي الله عنها ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال كل شراب أسكر ) كثيره ( فهو حرام ) قليله وكثيره وحدّ شاربه المكلف قليلاً كان أو كثيرًا من عنب أو تمر أو حنطة أو لبن أو غيرها نيئًا كان أو مطبوخًا وقال أبو حنيفة . نقيع التمر والزبيب إذا اشتد كان حرامًا قليله وكثيره ويسمى نقيعًا لا خميرًا ، فإن أسكر ففي شربه الحد وهو نجس فإن طبخا أدنى طبخ حلّ منهما ما غلب على ظن الشارب منه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب ، فإن اشتدّ حرم الشرب منهما ولم يتغير في طبخهما أن يذهب ثلثاهما ، وأما نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل فإنه حلال عنده نقيعًا أو مطبوخًا ، وإنما يحرم المسكر ويحدّ فيه ، واستدل بحديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا وإنما حرّمت الخمر لعينها والمسكر من كل شراب ، فهذا يدل على أن الخمر قليلها وكثيرها أسكرت أم لا حرام ، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار ، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوّته . فإن قلت : ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب ؟ أجيب : بأن المسكر حرام شربه وما لا يحل شربه لا يحل التوضؤ به اتفاقًا ، وبأن النبيذ خرج عن اسم الماء لغة وشرعًا ، وحينئذ فلا يتوضأ يه . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدني ومديني وكوفي وفيه رواية تابعي عن تابعي والتحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في الأشربة ، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .